عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )
65
شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )
قد كتبت الأولى ( كتبيه ) بغير ألف ، في حين كتبت الثانية ( حسابيه ) بالألف . ثالثا : لما جاور الرسول الرفيق الأعلى ، وجمع القرآن في المصحف ، ثم في المصاحف ، أجمع الصحابة على رسمه ، ولا سيما الخلفاء الراشدون ، ولم يخالف في ذلك أحد ، مع ما كان يتسم به هذا العصر من التمتع بالحرية الفائقة في القول ، وإجماعهم حجة ، وقد حث الرسول الكريم على الاقتداء بالخليفتين ، من بعده ، فقال : « اقتدوا باللّذين من بعدى : أبى بكر وعمر » رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجة ، وفي حديث العرباض بن سارية : « فعليكم بسنّتى ، وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدى ، عضّوا عليها بالنّواجذ » رواه أبو داود ، والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح . وقد أقر هذا الرسم الخلفاء الراشدون ، ومعهم الصحابة ؛ فكان لزاما على الأمة الإسلامية من بعدهم ، أن يقتدوا بهم ، ويتمسكوا برسم المصحف ، ولا يحيدوا عنه ، وقد قال الصحابي الجليل : عبد اللّه بن مسعود : « من كان منكم متأسيا ، فليتأس بأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، وأقومها هديا ، وأحسنها حالا ، اختارهم اللّه لصحبة نبيه صلى اللّه عليه وسلم وإقامة الدين ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم » . وروى الحافظ البيهقي أن الإمام الشافعي - وهو من هو دينا وعقلا وألمعية - ذكر الصحابة في رسالته القديمة ؛ وأثنى عليهم بما هم أهله ، وقال : « وهم فوقنا ، في كل علم واجتهاد ، وورع ، وعقل ، وأمر استدرك به علم واستنبط ، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا » . ومما ينبغي أن نعلم أن الصحابة لما كتبوا الصحف ثم المصاحف ، بالغوا جدا في ألا يكتب فيها إلا ما هو قرآن ، حتى إنهم جردوه من الشكل والنقط ، بل ومن أسماء السور ، فكيف يتساهلون في زيادة ألف أو واو أو ياء مثلا ؟ ! . وقد يقول قائل : إن مسألة الرسم وهيئة الكتابة لم تكن محل اعتبارهم وتدقيقهم . ويرد هذا ما ورد في الصحيح : أن الخليفة الثالث عثمان - رضى اللّه عنه - قال للرهط القرشيين ، الذين عاونوا زيد بن ثابت في كتابة المصحف : « إذا اختلفتم أنتم وزيد في شئ من القرآن - أي في كتابته - فاكتبوه بلسان قريش ؛ فإنما أنزل بلسانهم » ، يعنى : اكتبوه بالرسم الذي يوافق لغتهم ، لقد روى : أنهم اختلفوا في